بطاقات الإهداء

ترقية الذات 1

١٩-ديسمبر-٢٠١٥
ترقية الذات ..النظرة الإيجابية للأمور د. عادل رشاد غنيم في عالمنا المادي يبهرنا ما نشاهده من تطوير لسائر المنتجات، في الحاسبات وأجهزة الاتصال والبرامج والسيارات، وترقية إصداراتها ‏بشكل مستمر ، لتلافي العيوب وتقديم تحسينات أفضل ‏في المنتج لكن هل سأل أحدنا نفسه :‏ ماذا عن ترقية ذاتي وذاتك ؟ أليست هي الأولى بالترقية، ليس في المجال المادي ‏أو الوظيفي فحسب بل في مجالها الإنساني الرحب ، بإيمانها وأفكارها ومشاعرها وفضائلها وطموحاتها . أدرك تماما أن ترقية الذات ليست أمرا سهلا ، لأننا لن نجدها في أسواقنا الاستهلاكية ،لكن علينا أن نقوم بإعدادها بأنفسنا ونحدّث من خلالها إمكاناتنا وطاقاتنا . ‏ أولى خطوات الترقية يمس أهم أو أعلى جزء في كيان الذات أقصد الدماغ ، ذلك أن الكثير من الناس يتحركون في حياتهم وفق منطق الغرائز والأهواء و الأوهام ، ونظرتهم للأمور تتجاوز منطق التفكير حيث ، تتلون بالرغبات والانفعالات والأمزجة ،والنتيجة فشل ذريع في التعامل مع الحياة ومشكلاتها . عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومه أشاع المعارضون لدعوته أنه شخص مصاب بالجنون ، لكن القرآن بأدبه المعهود طلب إليهم أن يفكروا بشكل مجرد لتصحيح نظرتهم لنبيهم: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم ..} (46) سورة سبأ . لقد حبانا الله بجهاز التفكير (الدماغ ) وهو الجزء الرئيس من الجهاز العصبي بما يمتلكه من تحكم ‏بمعظم وظائف الفكرية و الحركية و الادراكية. وهو يضم أكثر من 12 بليون عصبون ‏وخمسين بليون خليَّة دبقية داعمة، ووزنه لا يتجاوز 1.6 كلغ ، ويبدو أنه تحول إلى مجرد كرة تتقاذفها الأقدام لعبا ولهوا . التحديث المطلوب سيكون من خلال التفكير الإيجابي POSITIVE) (THINKING، الذي يساعدنا على استقبال الأحداث ، وتفسيرها بشكل إيجابي ، لنحسن التعامل معها بطريقة أفضل ، وهو يركـِّز على تعزيـز الإمكانـات بدلاً من معالجة المعوّقات. دعني أقدم لك قصة تبين أهمية النظرة الإيجابية للأمور ، يحكى أن رجلا يدعى (شقيق البلخي) أراد السفر للتجارة فمر على شيخه ( إبراهيم بن أدهم) وودعه وسأله الدعاء ،‎ ‎لكنه لم يلبث إلا مدة يسيرة ، وعاد إلى بلدته، ولقيه إبراهيم ، وتعجب من عودته السريعة من رحلته فأخبره أنه ‏شهد موقفا ، جعلته يغير وجهته ،‎ ‎ويعود قافلاً‎ ، ذلك أنه في طريق سفره نزل للراحة في الطريق ، فدخل خربة يقضي فيها حاجته ، فوجد فيها‎ ‎طائراً أعمى كسيحاً ‏لا يقدر على حركة ، فرقّ لحاله ، وقال : من أين يأكل هذا الطائر‎ ‎الأعمى الكسيح في هذه الخربة ‏؟! ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده‎ ‎به ، حتى أكل وشبع ، فقال (شقيق) : إن الذي رزق‎ ‎هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر ‏على أن يرزقني حيث أكون! وقرر العودة‎ . هكذا كانت رؤية (شقيق ) للحدث. وهنا قال له إبراهيم ابن أدهم : سبحان الله يا‎ ‎شقيق ! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز ‏الذي ينتظر عون غيره ، ولا‎ ‎تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود ليعين غيره ؟! أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ‎قال : " اليد‎ ‎العليا خير من اليد السفلى " (‏أخرجه البخاري) ، فقام إليه شقيق وقبّل يده وقال‎ :أنت أستاذنا يا أبا إسحاق‎ !‎. أرأيت هذه الرؤية الصحيحة للحدث والتفسير الإيجابي الذي يدفع صاحبه إلى النهوض والارتقاء ؟ انها ناتج التفكير السليم الذي يؤيده ديننا الحنيف . إن أي تغيير في حياتك يحدث أولاً في داخلك ، في الطريقة التي تفكر بها وترى بها الأشياء والأشخاص والأحداث ، وما يصدر عنك من أقوال وأفعال هو في الحقيقة ترجمة لما في ذهنك من قناعات وأفكار عن ذاتك ومعتقداتك . إنّ التفكيـر الإيجابـي لا يعني عدم إدراك الحقائـق الموجـودة، ولكنه ببساطة يساعدنـا على رؤيـة الأمـور بشكل مختلف. لاحظ هاتين النظرتين لشاة ذبحت وتصدق بها إلا كتفها، حيث سأل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجته : مَا بَقِيَ مِنْهَا ؟ قَالَتْ عائشة رضي الله عنها : مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا. قَالَ : بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا . ( صحيح الترمذي ) ، إشارة إلى أن الذي بقي هو ما تُصُدّق به . لعلكم سمعتم بفكرة الكأس المليء ونصفه الفارغ ، صاحب النظرة الإيجابية سيقول : نصفه مليء ، أما صاحب النظرة السلبية فسيقول : نصفه فارغ ، وهكذا ينظر فيها الناس إلى الشيء الواحد . .د. عادل رشاد غنيم adilrg@hotmail.com أستاذ مشارك بجامعة الدمام