بطاقات الإهداء

الداعية القدوة

٠٢-مارس-٢٠١٧
الفعل الموافق للقول هو العنصر البارز في القدوة ، الذي يراه المدعوون ، ويتأثرون به أكثر من تأثرهم بالقول وحده . ليس من العقل أن ندعو الناس إلى الخير دون أن نكون أول من يفعله، قال تعالى :{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (سورة البقرة :44) ، وينبغي أن ننتبه إلى ما قاله القُرطبي من " أنَّ التوبيخ في الآية بسبب ترك فِعْل البِرِّ، لا بسبب الأمر بالبر" . وأخطر من ذلك أن يكون هناك تناقض ظاهر بين القول والفعل ، وقد أدانه الإمام ابن القيم بشدة في قوله :"علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون الناس إليها بأقوالهم ، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم ، فكلما قالت أقوالهم للناس : هلموا ؛ قالت أفعالهم : لا تسمعوا منهم ، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق" الفوائد (1/61). ولا يعني ذلك اشتراط العصمة في الدعاة فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم ، قال سعيد بن جبير رحِمَهُ الله تعالى: "لو كان المرْءُ لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؛ حتَّى لا يكون فيه شيء، ما أَمَر أحد بمعروف ولا نهَى عن مُنكر". الذي يريده مجتمعنا من الداعية القدوة : 1- أن يقدموا القدوة النبوية ، ليست قصصا محكية في السيرة فحسب بل يجتهدون في إظهارها للناس في مواقف حية في سلوكهم اليومي في داخل بيوتهم وخارجها . والقيام بمبادرات اجتماعية للمشاركة في العمل الاجتماعي و التنموي التطوعي ، وهذا من المسؤولية الاجتماعية للدعاة تجاه مجتمعهم . وقد كان نبينا – صلى الله عليه و سلم - سباقا إلى تقديم الخير وبث الأمن للناس ، يقول أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا) [ رواه الشيخان ]. 2- الابتعاد قدر الاستطاعة عن مواطن الزلل بالقول أو بالفعل، لأن أعين الناس تلاحظ تصرفاتهم التي ينبغي أن توزن بميزان الشرع، بل عليهم ان يبينوا للناس حقيقة الموقف الذي قد يتعرضون له دفعا لسوء الظن بهم ، كما فعل النبي مع الأنصاريين حينما رأياه مع صفية زوجته في وقت متأخر من الليل ،حيث كان معتكفا ،فقال لهما (على رسلكما إنما هي صفية بنت حي ) فقالا سبحان الله يا رسول الله ، و كبر عليهما ، فقال النبي – صلى الله عليه و سلم - : ( إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم ، و إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ) [رواه البخاري]. 3- إخلاص النية في إظهار العمل للاقتداء ، ، فالقدوة ليست عرْضا خاصا أمام الناس فحسب ، ثم ينفك عنها بعد ذلك ، فهذا من الفصام النكد في شخصية الداعية ، ووباله على أهل بيته كبير ، ولهذا كان الصحابة حريصين على معرفة حياة النبي -صلى الله عليه وسلم -داخل بيته للتأسي بها ، فدخل نفر منهم على أم سلمة ، فقالوا : يا أم المؤمنين حدثينا عن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت :كان سره وعلانيته سواء، ثم ندمت، فقلت : أفشيت سر رسول الله ، قالت : فلما دخل أخبرته ، فقال : أحسنت).رواه أحمد . أخيرا عندما ينجح الدعاة في كسب القلوب الناس ومودتهم فسرعان ما تأثرهم ، بقدوتهم ، والواقع شاهد على ذلك . د. عادل رشاد غنيم adilrg@hotmail.com أستاذ مشارك بجامعة الإمام عبد الرحمن بن فيص